الفيض الكاشاني
192
الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام
بالسماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، وإن تجهر بالقول فإنّه يعلم السر وأخفى وذلك قوله : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ « 1 » فالذين يحملون العرش هم العلماء الذين حمّلهم اللّه علمه ، وليس يخرج عن هذه الأربعة شيء خلق اللّه في ملكوته ، وهو الملكوت الذي أراه اللّه أصفياءه وأراه خليله على نبيّنا وعليه السلام ، فقال : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ « 2 » وكيف يحمل حملة العرش اللّه ، وبحياته حييت قلوبهم ، وبنوره اهتدوا إلى معرفته ؟ » « 3 » . * بيان قد يراد بالعرش الجسم المحيط بجميع الأجسام ، وقد يراد به ذلك الجسم مع جميع ما فيه من الأجسام - أعني العالم الجسماني بتمامه - وقد يراد ذاك المجموع مع جميع ما يتوسّط بينه وبين اللّه سبحانه من الأرواح والعقول التي لا تتقوّم الأجسام إلّا بها - أعني العوالم كلّها . بملكها وملكوتها وجبروتها ، وبالجملة ما سوى اللّه عزّ وجلّ - وقد يراد به علم اللّه تعالى المتعلّق بما سواه ، وقد يراد به علم اللّه الذي أطلع عليه أنبياءه ورسله وحججه صلوات اللّه عليهم خاصة ، وهو الذي فسّر به في هذا الحديث وما بعده ، وقد وقعت الإشارة إلى كلّ منها في كلامهم عليهم السّلام . وعن الصادق عليه السّلام أنّه سئل عن العرش والكرسي ما هما ؟ فقال : « العرش في وجه هو جملة الخلق ، والكرسي وعاؤه ، وفي وجه آخر العرش هو العلم الذي أطلع اللّه عليه أنبياءه ورسله وحججه عليهم السّلام ، والكرسي هو العلم الذي لم يطلع عليه أحدا من أنبيائه ورسله وحججه عليهم السّلام ، وكان جملة الخلق عبارة عن مجموع العالم الجسماني ، ووعاؤه عن عالمي الملكوت والجبروت ، لاستقراره عليهما وقيامه بهما » « 4 » . وسيأتي تمام الكلام في الكرسي إن شاء اللّه تعالى ، وقد ثبت أنّ العلم والمعلوم متّحدان بالذات متغايران بالاعتبار ، فمعاني العرش كلّها متقاربة ، وقوائمه عبارة عن أركان العالم ، أعني ما كان بناء الخلق عليه ، وقد مرّ منّا الإشارة إليها وإلى الموكّلين بها في باب الأسماء ، وجملته عبارة عن الأرواح الموكّلة بتدبيره على
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 255 . ( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 75 . ( 3 ) . الكافي 1 : 129 / 1 . ( 4 ) . البحار 58 : 28 / 47 .